alswaida

موفق نادر

موفق نادر
مواليد : 21 / 1 /1956 م
" الغاريّة " ــ السويداء ــ سورية

كانت سنوات الستينيات من القرن الماضي تتمة واستمراراً لعذابات الريف التي لا تُعرف لها نهاية ، فالقحط والعلاقات الاجتماعية البائدة تغلّ الأعناق بكثير من البؤس والتردّي ، ومثل معظم أولئك الناس لم يبقَ لنا من الذكريات عن تلك الأيام سوى ملامح القهر والشقاء المغموسة بالحاجة الدائمة والشوق لكلّ شيء ، ويبدو أن ذلك شحذ تطلّعنا لمعانقة أمداء بلا حدود ، وجعلنا نطمح لجعل أفقنا أوسع ورؤيتنا لأشياء الحياة أكثر عمقاً ، مسلحين بصبر وجلد علمتنا إياه أيام صعبة عشناها ولا يزال ــ رغم تقدّم العمر ــ طعمها في أفواهنا ومن العوامل التي قد تكون لعبت دوراً مميّزاً بالنسبة إليّ أنني وجدت في المدرسة خلاصاً لي من الأعمال المرهقة التي كان الأهل يكلفوننا بها ، والتي لم يكن لديّ استعداد جسدي كبير للقيام بها ، فقد كنتُ أحسّ أنني ضعيف البنية بالنسبة إلى أقراني ولكنني استطعتُ أن أجد تعويضاً كبيراً جعلني محطّ أنظار الكبار والصغار وشحذ ثقتي بنفسي ذلك أنني كنتُ متفوّقاً في الدراسة ؛ ومن علامات ذلك أنني استطعت القراءة والكتابة إلى حدّ ما قبل الدخول إلى المدرسة ، بل أنني استطعت بهذه الميزة فرض حالة قبولي في المدرسة وأنا في سنّ الخامسة أو أقلّ قليلاً حيث قُبلت تلميذاً مستمعاً ولكنني كنت الأول في صفّي مما جعل مدير المدرسة يقبل ترفيعي إلى الصفّ الثاني على مسؤوليته ، وهكذا وجدت نفسي أتخرج من قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة دمشق وأنا في الحادية والعشرين من عمري . وقد استمرّ هذا التفوق في كلّ المراحل الإعدادية والثانوية والجامعية ولولا ذلك كان يمكن أن أكون خارج الدراسة بسبب المصاريف الماديّة التي كانت تفوق إمكانية أهلي دائماً مما اضطرني أن اعمل خلال دراستي الجامعية فكنتُ أقوم بتدريس الساعات الإضافية للغة العربية في مدارس السويداء وريفها ، وبسبب تلك الحالة من الضيق المادي نفسها لم أكمل دراساتي العليا رغم أن معدّل تخرجي كان عالياً ويؤهلني لذلك بسهولة .
خلال تلك الفترة كانت إقامتي بين قريتي ومدينة دمشق ، وبعد تخرّجي قمتُ مباشرة بتأدية خدمة العلم لمدّة عامين ثم سافرت إلى المملكة العربية السعودية للعمل في مهن وأعمال البناء الشاقة والتي لا علاقة لها بالتعليم أو الثقافة ثم عدتُ لأعمل مدرساً مكلفاً في ثانويات السويداء وبعد خمس سنوات عُينت بصورة رسمية وأنا الآن مدرس أول للغة العربية .


* - من الناحية الإبداعية :
في البداية تتلمذت ــ مثل أبناء ذلك الزمان جميعاً ــ على حكايات الجدات ثم تلك القصص والسير الشعبية مثل سيرة بني هلال وعنترة وغيرها التي قرأناها بشغف فائق ، وكان ذلك سبباً مهماً في أنني أحببت القراءة حتى حدود الوله ، فقرأت كتباً كثيرة منذ مطلع المرحلة الإعدادية ، ورغم أن تلك القراءة امتازت بالفوضى بسبب المصادفة في وصول الكتاب أو إيجاده لكنها تركت بصمات مهمة في وعيي وثقافتي ، فمن الروايات العربية والعالمية وبخاصة روايات الثورة السوفيتية والقصص الروسي إلى المجموعات الشعرية العربية والمترجمة ، التراثي منها والحديث ، وفتنتي حركة الحداثة في الشعر العربي التي سارت خلف الظواهر الشعرية الكبيرة محمود درويش ونزار قباني وأدونيس فقرأت بمتابعة جيدة الكتب والمجلات التي رصدت أهم ما أنتجه هؤلاء ومن تبع نهجهم ، وأذكر أنني في المرحلة الإعدادية حفظت مجموعات كاملة لسميح القاسم ومحمود درويش وكنت أحب أن أحفظ كلّ النصوص التي أراها مميزة وأتباهى بإلقائها أمام أصدقائي المهتميّن بالأدب وثقافته وكان ذلك منتشراً بقوّة في سبعينيات القرن الماضي .
أحببت من كتاب القصة العربية المصري الدكتور يوسف إدريس والفلسطيني الشهيد غسان كنفاني والسوري زكريا تامر وحنا مينا في بدايات أعماله وأشعار ممدوح عدوان ومحمد الماغوط ، وفُتنتْ بأعمال ديستيوفسكي فقرأتها مراراً وكذلك تولستوي وشولوخوف وإيتماتوف وفيكتور هيجو وكازانتزاكي وأكزوبيري وكثيراً من كتب الدراسات والنقد التي لا توغل كثيراً في طرح مقولاتها بقالب تنظيري .
أذكر أنني كتبت أولى قصائدي وأنا في الصف السابع لكنني كنت قبل ذلك بزمن بعيد جربت الوقوف على منبر إحدى الحفلات المدرسية في القرية واستمتعت بلذة إلقاء قصيدة عن الأم والإصغاء إلى الناس يتحدثون عنها بإعجاب . ثم اعتدت أن يكون عندي دفاتر أنيقة خاصة أدوّن فيها ما يجيش بنفسي من خواطر لكنني لم أكن أطيل الاحتفاظ بها لأنها لم تحقق لي الرضا الذي كنت أصبو إليه ، فكتبت كثيراً من القصائد والقصص والخواطر دون أن يكون إعجابي بمن أقرأ لهم وسيلة للسير على خطاهم . كان لبعض المعلمين في المرحلة الابتدائية أثر كبير في شحذ محبتي للأدب والثقافة وبخاصة أن بينهم متأدبين ولهم تجارب جيدة في الكتابة الإبداعية مثل الأستاذ " قاسم وهب " ، ثم كانت صداقة حميمة جمعت بيني وبين ابن قريتي ورفيقي في بعض سنوات الدراسة " بيان الصفدي " الذي كان أكثر جرأة منا جميعاً وأوسع يداً في اقتناء الكتب وتحصيلها وكذلك أوضح منا موهبة ، فوحدت القراءة ومحبة الأدب بيننا وساهمتا في تمتين علاقتنا حتى أيامنا هذه ، وأنا مدين لهذا الصديق بكثير من الأفكار المهمة والتشجيع المعنوي على مستويي الكتابة للصغار وللكبار !!

أما كتابتي للأطفال فلا أعتقد أن حوادث خاصة هي التي تؤثر في شخصية الكاتب وجعله يتجه بالكتابة للأطفال أو غيرهم ، لكنّ الاهتمام بهذا الجانب وبثقافته وتلقّيها من أحسن مصادرها ثم محبّة الأطفال إضافة إلى الجانب الفطري ، كل ذلك يمكن أن يخلق فرصة لولادة كاتب أطفال جيد ، ولذلك فقد بدأت الكتابة للأطفال من باب التجريب ومع النصوص الأولى التي كتبتها شعراً في مطلع الثمانينات اكتشفت أنني أملك موهبة القدرة على خلق النص الطفلي ذي الخصوصية حيث الميل إلى الطرافة واللعب ، والنفور من الوعظية بقصد تحقيق العفوية والتلقائية اللازمة للاقتراب من عالم الطفولة الحقيقي ، واللغة الصحيحة البعيدة عن التقعّر والقريبة من عالم الطفولة بما فيه من بساطة وثراء ، فتقدّمت بمجموعتي الشعرية الأولى إلى وزارة الثقافة وكانت فرحتي عظيمة حينما تبنّت الوزارة طباعة تلك المجموعة التي سميتها " الغيمة تمرح " والتي أحبها الأطفال الذين وصلت إليهم ، ثم صدر لي مجموعتان شعريتان أخريان في سلسلة كتاب أسامة الشهري ، الأولى بعنوان : نائل يلتقي أباه والثانية بعنوان : أنشودة المطر .
خلال هذا الوقت كنت أكتب شعراً للكبار ولا تزال في أدراجي مجموعات شعرية أنجزتها في تلك الفترة منها مجموعة سميتها " من أسئلة العشب " جرّبت أن أطبعها في اتحاد الكتاب يومها فوافق على طباعتها بمعونة ولكنني لم أكن شديد اللهفة إلى النشر فركنتها .
لقد كانت تجربتي في التعليم ذات فائدة كبيرة أمدّتني بكثير من المفاهيم والقيم حول الكتابة للطفل ، فقد حققت لي فرصة القرب من عالم الأطفال وهم في أشد تجلياتهم وضوحاً ، وجعلتني أكثر قدرة على فهم حاجاتهم وميولهم ، وقد استطعت أن ألجأ إلى التجريب في نواحي التنشئة الجمالية عند أطفال الصفوف المختلفة التي درّست يسعفني في ذلك ثقافة تربوية ونفسية معقولة مما مكنني من الوصول إلى قلوبهم معلماً وبناء علاقات معهم أساسها المحبة والاحترام ، ونجحت غالباً في زرع قيمة حبّ المدرسة والعلم رغم تردّي هذه القيم مؤخراً بصورة سافرة .